أبي منصور الماتريدي
240
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
[ الرحمن : 10 ] ليس أنها مرفوعة ثم وضعها ؛ أي أنشأها مرفوعة وموضوعة . وكقوله : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] ليس أنهم كانوا فيها فأخرجهم ، ولكن عصمهم حتى لم يدخلوا فيها . فعلى ذلك الأول « 1 » . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ . قال في الآية الأولى : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ « 2 » ، وأخبر أنهم كافرون بالله واليوم الآخر ، وفيه أن من لم يؤمن بالله واليوم الآخر ، فهو كافر ، فهذا ينقض على المعتزلة ؛ حيث جعلوا بين الكفر والإيمان رتبة ثالثة ، ويوسف يخبر أن من لم يؤمن بالله فهو كافر ؛ وهم يقولون : صاحب الكبيرة غير مؤمن بالله ، وهو ليس بكافر . ثم أخبر أنه ترك ملة أولئك الذين لا يؤمنون بالله ، واتبع ملة آبائه إبراهيم ومن ذكر ، ثم أخبر عن ملة آبائه وهو ما ذكر . ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ عرفهم ملة آبائه ودينهم ؛ وهو على ترك الإشراك بالله ، وجعل الألوهية له ، وصرف العبادة إليه . وفيه : أن الملة ليست إلا ملتين : ملّة كفر ، وملة إسلام « 3 » . وأخبر أن من لم يكن في ملة الإسلام كان في ملة الكفر . ثم خص بذكر هؤلاء : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ؛ لأن هؤلاء كانوا مكرمين عند الناس كافة ، كل أهل الدين يدّعون أنهم على دين أولئك ؛ فأخبر أنهم على دين الإسلام . والحنيف : المخلص ، ليس على ما تزعمون أنتم ؛ ولهذا قال : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ آل عمران : 67 ] . وفي قوله : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ دلالة أن الكفر كله ملة واحدة ؛ حيث أخبر أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون على اختلاف مذاهبهم . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ . أي : ذلك الدين والملة التي أنا عليها وآبائي من فضل الله علينا وعلى الناس ؛ لأنه - عزّ وجل - فطر الناس على فطرة ؛ يعرفون وحدانية الله وربوبيته بعقول ركبت فيهم ؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله وما ركب فيهم من العقول ، أو ذلك الدين والهداية الذي أعطاهم من فضل الله ؛ لكن أكثر الناس يتركون ذلك الدين وتلك الهداية ، والله أعلم .
--> ( 1 ) في أ : الآية . ( 2 ) زاد في أ : ليس أنه كان فيه ثم تركه ، ولكن تركه ابتداء ، ما لو لم يكن تركه كان آخذا إلى . . . ( 3 ) في أ : الإسلام .